آخر الأخبار
ازدواجية المعايير من البوسنة إلى حلب

ازدواجية المعايير من البوسنة إلى حلب

Vorlesen mit webReader

د.عبدالعاطي محمد –
فقط وقبيل نهاية عام 2016 دفع مجلس الأمن في اتجاه نشر مراقبين سعيا لإنقاذ المدنيين في حلب، ولكنه عقد قبل ذلك ثلاث جلسات خلال فترة وجيزة فشل فيها كلها في التوصل إلى قرار لوقف المأساة الإنسانية هناك. الوصول متأخرا للغاية والاستعصاء على القيام بواجبه قبل أن تتحول المدينة إلى خراب يؤكد أنه يتحمل المسؤولية الأكبر في هذه المأساة.  

هذا ما كان قد أقر به بان كى مون نفسه قبل أيام قليلة من انتهاء مدته كأمين عام للأمم المتحدة، مما يعد شهادة دامغة على فشل أقوى هيئة دولية تضاف إلى سجلها غير الجيد في الأزمة السورية منذ اندلاعها قبل 5 سنوات. وبهذه الشهادة يصبح الغضب العربي مشروعا من الناحية الأخلاقية الإنسانية وبعيدا عن التعقيدات السياسية للأزمة، وذلك في إطار البحث عن إجابة شافية للسؤال المحير: لماذا حدث هذا التقاعس بتلك الفجاجة؟ هل كان الأمر عصيا إلى هذا الحد، أم لأنه كالعادة يخص عرب الشرق الأوسط تحديدا؟
لم تكن الدول الخمس الكبرى صاحبة الفيتو في حاجة بأي معنى من المعاني للتأكد من إن ما كان يجري في شرق حلب كارثة إنسانية هي في الحقيقة مجزرة ضد المدنيين يجب أن تتوقف في الحال بغض النظر عن أي اعتبارات سياسية، وأنه لا يجوز مطلقا أن يكون الفعل هو مجرد المناشدة والتنديد، بل التدخل السريع لوقف القتال وتوصيل المساعدات للمدنيين الأبرياء، ولن تعجز هذه الدول عن الاتفاق على ذلك وتفعيله على أرض الواقع، إلا إذا كانت أو بعضها لا يستشعر الأمر على هذا النحو، وهو الأرجح بالتأكيد وإلا لماذا تواصل الرفض لمشروعات القرارات التي تسارعت لحماية المدنيين. والملفت أن هذه الدول أو بعضها هم من تعالت أصواتهم بالتحذير مما كان يجرى من دمار وما يترتب عليه من كوارث معيشية لنحو 150 ألف سوري ظلوا محاصرين في مساحة لا تتعدى 5 كيلومترات مربعة. وإذا وسعنا دائرة النظر لتشمل نصف المجتمع السوري الذي هام على وجهه في مناطق شتى من العالم هربا من جحيم الحرب لأصبح تقاعس مجلس الأمن جريمة في حق البشرية وتخاذلا غير مقبول في تطبيق ما جاء به ميثاق الأمم المتحدة.
أما والأمر كذلك فإن رائحة التمييز والتعامل المزدوج تفوح بقوة من هذا الموقف الدولي المتقاعس، ولنأخذ من التجارب السابقة ما يفيد أن المجتمع الدولي وعلى رأسه مجلس الأمن قد تعامل بازدواجية المعايير في الحالة السورية فيما يتعلق تحديدا بالجوانب الإنسانية، لا لشيء سوى لأن القضية تخص عرب الشرق الأوسط حيث لا يرقون إلى مستوى الاهتمام الذي يحظى به الآخرون.
المقارنة ممكنة بين الموقف الدولي بخصوص مذبحة سربرنيتسا وبين الموقف الدولي من الكارثة الإنسانية في شرق حلب، وهنا نذكر مجددا أننا نتحدث عن الجانب الإنساني وليس السياسي. ومع الإقرار بوجود نقاط اختلاف بالطبع بين الحالتين إلا أن بينهما نقاط اتفاق تكفي لعقد المقارنة لتوضيح أنه بإمكان المجتمع الدولي أن يتدخل لدواع إنسانية وليس فقط لدواع سياسية، وذلك عندما يرغب ويمتلك الإرادة للتدخل، والعكس إذا لم يرغب ولم يمتلك الإرادة. ودون الدخول في تفاصيل أزمة البوسنة والهرسك (1992-1995) فإن بلدة سربرنيتسا الواقعة في شمال شرق البوسنة كان أبناؤها من المسلمين البوشناق قد تعرضوا لمذبحة على أيدي قوات الجيش الصربي، وذلك في يوليو 1995 راح ضحيتها نحو 8 آلاف شخص. وحدث ما حدث أمام أعين قوات حفظ السلام التي كان مجلس الأمن قد قرر إرسالها للفصل بين المتحاربين من الصرب والكروات وقت اندلاع الحرب آنذاك 1992. وبعد شهر من وقوع المذبحة عرضت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك المشهد المأساوي على أعضاء مجلس الأمن وسط رضا من الكبار في مجلس الأمن على ضرورة التدخل العسكري لوقف تداعيات المجزرة، وسريعا دفع الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون حلف الناتو للتدخل مما أنهى الحرب باتفاق دايتون 1995. وبعد انتهاء الحرب عقدت محكمة العدل الدولية جلسات مطولة لمحاكمة ميلوسوفيتش زعيم الصرب ورفاقه (يوغسلافيا السابقة) وانتهت في 2007 إلى اعتبار ما حدث في سربرينيتسا إبادة جماعية، ولكن روسيا استخدمت حق الفيتو ضد قرار في مجلس الأمن يتبنى هذا الحكم وذلك في يوليو 2015.
العبرة من استرجاع حالة البلدة البوسنية هي استخلاص ملاحظات يمكن إسقاطها على حالة شرق حلب للتأكيد على أن المنطقة العربية من ضحايا التمييز الدولي والكيل بمكيالين. هذا لا ينفي المسؤولية العربية بكل تأكيد، ولكن دائما وأبدا لا يرغب المجتمع الدولي في تبني قضايانا كما لو كانت قضيته مثلما يحدث في قضايا الآخرين، وكأن هناك موقفا مسبقا (غربيا بالتحديد) بأن الاستجابة غالبا ما تكون إما الإهمال واللامبالاة أو العقاب! ففي الحالة البوسنية كان هناك تقاعس دولي واضح منذ أن بدأ الصرب حربهم ضد مسلمي البوسنة، ولم يتحرك عمليا إلا بعد 3 سنوات لم تتوقف خلالها مناشدات الدول الإسلامية والعربية بالطبع لوقف الانتهاكات الخطيرة التي تعرض لها المسلمون هناك ولا حياة لمن تنادى. نفس الموقف أي الإهمال واللامبالاة حدث في الحالة السورية عموما وبالنسبة لما جرى في حلب الشرقية خصوصا. وعندما تحرك كلينتون ودفع الناتو للتدخل تحت قيادة الولايات المتحدة فقد تم ذلك ليس حمية على المسلمين (لأن المشكلة كانت قائمة لثلاث سنوات) وإنما كان استجابة لضغوط الأمم المتحدة (كانت تحت قيادة الراحل بطرس غالي) التي وجدت نفسها في موقف محرج للغاية دوليا حيث لم تتدخل قواتها لوقف المجزرة وفشلت في حفظ السلام هناك من ناحية، ولأن الدول الأوروبية تخوفت من امتداد حملات التطهير العرقي إلى أراضيها ومن إمكانية وصول الجماعات الجهادية الإسلامية إلى قلب أوروبا بعد أن تدفق بعض رجالها إلى هناك لمساندة مسلمي البوسنة. أما أن يحدث شيء من هذا القبيل في سوريا فإنه لا يهدد الغرب ولا يعد أمرا عاجلا يستحق التحرك. مسلمو البوسنة أوروبيون في نهاية المطاف وجزء من الثقافة الغربية، بينما مسلمو سوريا عرب شرق أوسطيون لا ينتمون للثقافة الغربية المسيحية يعيشون في بيئة تفرز الإرهاب أو حاضنة له كما جاء على لسان باراك أوباما في أحد لقاءاته الصحفية. ولم يتحرك الغرب إنسانيا على الأقل إلا بعد عمليات الهجرة الواسعة من السوريين إلى أراضيه. استجاب واحتضن ثم رحل المشكلة إلى تركيا!
وبعد سلسلة طويلة من التعلق بالحل السلمي بينما كانت رحى الحرب دائرة لا تتوقف من البداية بدا كأن المجتمع الدولي وعلى رأسه مجلس الأمن قرر أن يترك سوريا نظاما ومعارضة لمصيرها. لم يتدخل عسكريا وقت أن كان يجب أن يتدخل وفقا لما وعد به المعارضة، ولم ينجح في التحركات السلمية العديدة وصولا إلى حل سياسي، كما لم ينجح في أية جهود ملحوظة على صعيد الهدنة وتوصيل المساعدات باعتراف بان كى مون نفسه. ونجحت روسيا في ملء الفراغ الدولي واستطاعت أن تمسك بمفاتيح الأمور وقررت أن تحسم الأوضاع عسكريا. وفي الطريق دفع السوريون ثمنا باهظا سواء بأعداد الضحايا (نحو 300 ألف قتيل) أو بأعداد اللاجئين (نحو 11 مليون لاجئ أي نصف عدد السكان تقريبا). ورغم ضخامة التكلفة الإنسانية التي كانت كفيلة في حد ذاتها لتحقق وحدة إرادة الدول الخمس الكبرى في مجلس الأمن لوضع نهاية سريعة للمأساة السورية، لم يملك المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الأمريكية جون كيربى سوى التحذير من أن عمر المأساة سيطول لأجل غير مسمى! ففي تعليقه على تطورات معركة شرق حلب قال: «إن سيطرة القوات النظامية السورية على حلب لا تعنى بالضرورة نهاية الحرب في سوريا .. إن مسلحي المعارضة سيستمرون في القتال في أماكن أخرى، والمزيد من الأبرياء سيدفعون الثمن .. المتشددون سيستمرون بإشغال الفراغ الموجود في مناطق كثيرة في سوريا، كما أن الأشخاص الأبرياء والعديد من الأطفال سيدفعون إلى اللجوء».
في سربرنيتسا لم تكن التكلفة الإنسانية بنفس الحجم بل أقل بكثير جدا، فالحرب استمرت 3 سنوات فقط والضحايا 8 آلاف بوسني من مسلمي البوشناق، فلا وجه للمقارنة من حيث حجم الخسائر، وإن كان ذلك لا يعنى التقليل من حجم الكارثة البوسنية. ومن يعود بالذاكرة إلى تلك الأحداث يستطيع أن يرصد ضخامة الغضب الذي اجتاح العالم الإسلامي وقتها رفضا لاستمرار الانتهاكات والمجازر. تغير الزمان والمكان كما تغير البشر وتقلبت مشاعرهم في زمن العولمة الرديء، فلم يجد السوريون وفي القلب من عاشوا في حلب نفس الحجم من مشاعر التضامن والضغط الشعبي والرسمي الذي يجعل أصحاب الفيتو يجمعون ولو على قرار واحد لمواجهة الوضع الإنساني المتردي هناك الذي يبشرنا المتحدث الرسمي الأمريكي أنه سيزداد سوءا.
إن لم تكن المقارنة السابقة دليلا على التمييز والكيل بمكيالين من جانب من يتربعون على قيادة العالم ضد العرب وقضاياهم لمجرد أنهم عرب، فماذا يكون إذن. لقد حان وقت المراجعة.

ديسمبر 30, 2016

Facebook Comments

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats