آخر الأخبار
صراعاتنا الساخنة.. هل أصبحت مجرد كوارث إنسانية فقط؟!

صراعاتنا الساخنة.. هل أصبحت مجرد كوارث إنسانية فقط؟!

Vorlesen mit webReader

د.عبد العاطى محمد –
تشير التجارب التاريخية إلى أن أي صراع يمر بخيارات عدة، فإما أن يتم حله عبر التسوية السياسية أو بالحرب، أو أن يبقى على حالته الساخنة حيث تتداخل الجهود السياسية مع الاشتباكات المسلحة، أو أن يجرى تجميده فيما يعرف بحالة اللاسلم واللاحرب. إلا أن الصراعات العربية الساخنة تطرح سؤالا عما إذا ما كان يمكن للصراع أن يتخذ خيارا آخرا، وذلك بأن يتحول إلى مجرد كارثة إنسانية فقط.

تقارير الأمم المتحدة خلال الفترة الأخيرة عن الأوضاع في كل من سوريا والعراق واليمن تؤكد ذلك، بعد أن تراجعت فرص الحل السلمي في الدول الثلاث ، بدرجات متفاوتة ، وتصاعدت بدلا منها فرص الحرب والدمار، برغم كل ما جرى من مبادرات وجهود متواصلة سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي بطول السنوات الخمس الماضية للتوصل إلى هذا الحل. كما تؤكده أيضا تصريحات وبيانات المسؤولين في الأطراف الدولية والإقليمية المعنية، فيما جعل العنوان الأكبر للأنباء الواردة من ساحات الصراع في الدول الثلاث هو التحذيرات المتتالية من انفلات بوصلة الأحداث واتجاهها نحو تحول ملفات هذه الصراعات من التركيز على قضاياها الرئيسة إلى التركيز على جوانبها الإنسانية المؤلمة وإعطاء الأولوية الآن لهذه الجوانب على القضايا الرئيسة لأنها أوصلت الأزمات إلى مرحلة لها طبيعة مختلفة تماما هي مرحلة تحول الصراع إلى نكبة إنسانية مزمنة. تقول التقارير إن عدد اللاجئين في العالم وصل لأكثر من 65 مليون شخص وهو أعلى مستوى له منذ الحرب العالمية الثانية، وإنه من كل 113 شخصا في العالم هناك إما طالب لجوء أو نازح أو مشرد. إلا أن ما يهم موضوعنا هو أن نصف هؤلاء اللاجئين هم من سوريا وأفغانستان والصومال، هذا بخلاف من يقضون في مياه البحر الأبيض المتوسط وأعدادهم بالآلاف.
ومع أن الإشارة إلى المأساة السورية ليس جديدا لأن أعداد النازحين منذ بداية الأزمة يقدر بالملايين، إلا أن التطورات الدامية في حلب الشرقية، وكذلك المخاوف الشديدة من عمليات نزوح كبيرة للعراقيين السنة من الموصل عند تحريرها من تنظيم «داعش» وما حدث من قبل عند تحرير الأنبار والرمادي، وما جرى من مآسٍ إنسانية في اليمن بسبب الحرب الجارية هناك، كلها أعادت ترتيب الأولويات على لسان ليس فقط دي ميستورا المبعوث الأممي لسوريا الذي بات يتحدث عن الأزمة هناك بأنها إنسانية وليست سياسية!، وإنما أيضا على لسان المبعوث الأممي اسماعيل ولد الشيخ لليمن وكذلك على لسان المسؤولين في كل من الدول الغربية والدول الإقليمية المعنية. وكلهم يهتمون بالتركيز الملح والعاجل على خطورة ما ترتب على استمرار الصراعات في الدول الثلاث من كوارث إنسانية لم يسبق لها مثيل. وبالطبع فإن فشل الاتفاق الأمريكي الروسي حول حلب الشرقية، وانفراد موسكو بالعمل على حسم الصراع عسكريا أكد حقيقة التحول المفاجئ في المشهد برمته، وما لحق بحلب الشرقية من دمار ما هو إلا شاهد على ذلك.
عندما ينتقل الصراع إلى مرحلة الكارثة الإنسانية فإنه يعني غلق الطريق على الفرص المستقبلية لأي حل سلمي، ذلك الخيار الذي وافق عليه الجميع من القوى الدولية والإقليمية من البداية واعتبروه الطريق الاستراتيجي لأي نقاش أو حوار حول سبيل الخلاص من هذه الصراعات.
ومن ناحية أخرى يؤدي إلى تعزيز وجهة نظر الذين يؤمنون بالحل العسكري. هو في ذاته يبقى الخيار الملحوظ أو الذي يجرى تفعيله على أرض الواقع. وليس من المبالغة القول إنه بمثابة خيار الفناء أو الانتحار البطيء. والكارثة في هذه الحالة لن تتوقف عند الأطراف المحلية المتصارعة بل تمتد إلى فنائها الإقليمي وليس بعيدا عنها  العالم الخارجي.
المشكلات الخطيرة التي ترتبط بتحول الصراع من موضوعه الرئيس (الصراع على السلطة وإقامة نظام سياسي جديد) إلى نكبة إنسانية مزمنة، هي التي تقضي على أية فرص لحل سياسي مرضٍ لكل الأطراف المعنية. إنها تتضمن تغييرات ديموغرافية داخل البلدان المعنية بالصراع أي تغيير التركيبة السكانية ليس فقط على مستوى إعادة التوطين لهذه الجماعة أو تلك، وإنما بالنسبة لتعداد الجماعات ذاتها حيث تجرى عمليات إبادة ما لواحدة لصالح الأخرى أو تفعيل صور مختلفة من التمييز بل والاضطهاد بين المكونات المجتمعية. كما أنها تعمق من مظاهر الكراهية سواء كانت على المستوى الطائفي أو المذهبي أو بين المناطق المختلفة.
ولن يكون غريبا في هذه الحالة أن ينتشر التطرف الفكري والسياسي بين مكونات المجتمع وقواه السياسية. هي عوامل تجعل الشعور بالظلم عنوانا للمرحلة.
وأما على المستوى الإقليمي المحيط فإنها مشكلات تأخذ صورا مختلفة، فمن ناحية تشكل عمليات النزوح للدول المجاورة ضغوطا اجتماعية وأمنية واقتصادية شديدة على الدول المتلقية للهجرة، خصوصا عندما تكون الدول المتلقية فقيرة أو تعاني من الأصل من أزمات اقتصادية وأمنية. ومن هذه الصور أيضا مشكلات التمويل سواء من حيث صعوبة تدبير الأموال المناسبة لضمان قدر مناسب من الرعاية للنازحين، أو من القدرة على تحمل تدبير هذه الأموال لفترة طويلة من الوقت. ومن جهة أخرى فإنه لو لم تكن هناك أزمة من الأصل لاتجهت هذه الأموال إلى تنمية هذه البلدان موضع الصراع. وأخيرا فإن تصاعد الصراع إلى حد التحول لكارثة إنسانية يؤدي تلقائيا إلى تعميق فجوة الخلافات بين الأطراف الإقليمية أولا ثم الدولية ثانيا، فبعد أن كان الجميع يتحين مجيء الوقت الذي تنتهى فيه الصراعات لكى تتحسن العلاقات بينهم، إذا به يجد نفسه منغمسا بشكل أكبر فيها بما يعني العلاقات تسوء ولا تتحسن.
السؤال الذي يطرح نفسه مع وصول الأوضاع إلى مرحلة الكارثة الإنسانية، هو هل كانت كل الأطراف المعنية في الدول الثلاث مدركة بحق منذ البداية أن الصراع يمكن أن يصل إلى هذه المرحلة أم لا، وبافتراض أنها كانت تدرك التداعيات، هل فعلت ما يجب القيام به حتى لا تنفلت بوصلة توجيه الأحداث، ثم يستيقظ الجميع على هول الكارثة؟
واقع الأمر أن حسابات الأطراف وتقديراتها للموقف أولا بأول لم تتوقع وصول الأوضاع إلى هذا الحد، أو أنها قللت كثيرا من احتمالية حدوثه. والغريب أن أجراس الإنذار كانت تدق منذ البداية دون جدية في استباق التطورات لإنجاح الحلول السلمية بما كان سيؤدي حتما إلى وقف استمرار الكارثة.
لا حاجة للتدليل على أن الكارثة كانت تتحدث عن نفسها كل يوم مع تصاعد حدة العمليات المسلحة، ما بين تدفق الآلاف من الفارين من جحيم الحرب في سوريا على أوروبا وسط غرق الكثيرين منهم في مياه البحر، ونزوح العراقيين من المناطق المحررة تجنبا لأعمال الثأر الطائفية، والحالة المعيشية السيئة لأغلب اليمنيين بسبب استمرار العمليات المسلحة. وبالمقابل لم تتوقف المبادرات للتوصل إلى حل أو تسوية سلمية باعتباره الخيار الأفضل. ومع أن جميع هذه الأطراف كان يدرك منذ البداية أن مهمة الحل السلمي صعبة ومعقدة وأنه ليست هناك وصفة سحرية واحدة تصلح لكل أزمة، حيث الظروف مختلفة وكذلك الأطراف الفاعلة والمصالح الإقليمية والدولية. فإنهم أعطوا مساحة من الوقت لهذا الخيار وتعلقوا بالأمل في إمكانية التوصل إليه. انطبق ذلك بوضوح على الحالتين السورية واليمنية، بينما كان للحالة العراقية وضع مختلف نسبيا لأن العمليات المسلحة كانت بين الجيش العراقي وتنظيم «داعش» الإرهابي وليست بين نظام يحكم ومعارضة مسلحة كانت أم معتدلة. ولكن الحالة العراقية لم تكن بعيدة عن القصة التي تعنينا في هذا المقام وهي أن هناك صراعا مسلحا ينقلب إلى نكبة إنسانية مزمنة، وفيها كان من المفترض تحقيق موقف سياسي وطني موحد في كيفية مواجهة «داعش» والنتائج المترتبة على ذلك، وهو ما لم يحدث أيضا.
ولكن هنا تكمن المشكلة حيث لم يكن بالإمكان المضي في كل هذه المبادرات والجهود السياسية والمراهنة على نجاحها بينما العمليات المسلحة مستمرة حيث كان من المحتم التوصل لوقف إطلاق النار لفترة كافية من الوقت في وقت مبكر من اندلاع الأزمة، وهو ما لم يحدث. صحيح أن مسألة الحرب على الإرهاب كانت دافعا لاستمرار هذه العمليات في الحالة السورية، ولكن هذه المسألة لم تكن قائمة في بداية اندلاع الأزمة هنا أوهناك، بل حدثت في وقت لاحق وبعد فترة من تحثث الحل السياسي مع دخول المنظمة الدولية على الخط  وكان بالإمكان مجددا التركيز أولا على وقف إطلاق النار بين النظام والمعارضة بدلا من الزخم الكبير الذي أعطاه المجتمع الدولي لمفاوضات جنيف التي انتهت إلى لا شيء. وعليه فإن الكارثة الإنسانية في الحالات الثلاث ما هي إلا نتيجة لفشل الاتفاق على الحل السياسي، ووقوع الكارثة يؤدي من جانبه إلى غلق الطريق أمام العودة لهذا الحل مجددا.

أكتوبر 15, 2016

Facebook Comments

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats