آخر الأخبار
حضارة إسلامية: صبرة المنصورية .. شديدة العمارة حسنة الأسواق

حضارة إسلامية: صبرة المنصورية .. شديدة العمارة حسنة الأسواق

Vorlesen mit webReader

القاهرة: مختار عبد الحميد –
أمر «أبو الطاهر إسماعيل» الملقب «المنصور بالله»، بعمارة مدينة في المكان الذي صبر فيه عسكره ، وانتصر فيه على « أبو يزيد» ، و سماها « صبرة المنصورية » ، و أمر بإحكام سورها ، و رفع بنيانها ، فجعلت مدورة كـ« بغداد» ، و بنيت دار الأمير وسطها ، و كذلك المسجد الجامع ، و بنيت جدرانها بالآجر المكحل بالجير، وكانت منفصلة عن«القيروان» ، بينها و بين«القيروان» عرض الطريق.

ويذكر الدكتور علي محمد الصلابي: في «الفتح الإسلامي في الشمال الإفريقي». أنه في (عام 337هـ ) انتقل « المنصور» إلى عاصمته الجديدة « صبرة المنصورية» ، ومعه ولي عهده « أبو تميم المعز لدين الله » وخواص دعاته و أوليائه و سائر أهله وولده ، فجعلها مسكناً له ، وأقام بها في قصره ، واستمر في توسيعها وتحسينها ، و نقل إليها شيئاً فشيئاً مختلف المصالح الإدارية من «المهدية» ، كما نقل إليها أسواق مدينة «القيروان» وأرباب الصناعة فيها ، ولم تلبث أن شهدت تطوراً كبيراً ، لا بوصفها عاصمة سياسية ومدينة ترفيهية فحسب ، بل باعتبارها مركزاً إدارياً ومدينة تجارية أيضاً ، وأصبحت على جانب كبير من التقدم ، و يقال أنه كان يدخل أحد أبوابها كل يوم (26ألف درهم) ، و كان فيها مدة عمارتها (300 حمام) أكثرها للديار ، وباقيها مبرز للناس.
و لعل السبب في بناء «المنصور» لعاصمته الجديدة مجاورة تماماً لـ «لقيروان» ، وبينهما عرض الطريق ، يعود إلى رغبته في أن يبقي«القيروان» و أهلها تحت بصره و مراقبته الشديدة لهم ، فلا يتمكنون من الثورة ضده ، أو مناصرة أي خارج عليه – إذ اعتاد أهل القيروان على مناصرة كل خارج على الحاكم على مر العصور – لذلك فقد ربط « المنصور» سور المنصورية بسور القيروان بواسطة فصيل ، فلا تدخل بضاعة ما إلى مدينة «القيروان» إلا من خلال الفصيل ، وذكر أنه نقل أسواق «القيروان» إلى «صبرة المنصورية» ، فكان الناس يعملون نهاراً في «المنصورية» و يعودون ليلاً إلى «القيروان» ، وهم مجبورون على اجتياز الفصيل ، و يوصد وراءهم الباب الذي في كلِ من طرفي الفصيل ، فكان أهل «القيروان» رهائن بالنهار في «صبرة المنصورية» ، وأرزاقهم رهائن فيها في الليل ، حتى لا تحدثهم أنفسهم بالثورة والقيام على الدولة.
ولقد وصف الرحالة المقدسي مدينة صبرة المنصورية العاصمة الفاطمية الثانية بعد المهدية، بأنها مدوّرة مثل الكأس لا يرى مثلها ودار السلطان وسطها على عمل مدينة السلام والماء يجري وسطها، شديدة العمارة حسنة الأسواق بها جامع السلطان وعرض سورها 12 ذراعا منفصلة عن العمارة بينها وبين المصر عرض الطريق وتجارها يغدون ويروحون اليها من المصر على حمير مصرية والأبواب باب الفتوح باب الزويلة، باب القصارين كلها محددة الحيطان آجر مكحل الجيل».
وكان المنصور أبا الطاهر اسماعيل اختط أحسن بلد في أسرع أمد، وانتقل اليها حسب رواية القضاعي عند صلاة الظهر من يوم الخميس لليلة بقيت من جمادى الآخرة سنة 336هـ وقد عمّر المنصور أسواقها واستوطنها، وأصبحت مركز الخلافة الرسمي، منها تصدر الأوامر، وتخرج الجيوش الفاتحة، واليها تأتي الوفود لتقديم فروض الطاعة والولاء.
وقد بنى سورها بالطوابي، وجعل لها أربعة أبواب، بابا قبليا وبابا شرقيا سماه باب زويلة وباب جوفي وبابا غربيا سماه باب الفتوح، ونصب عليها أبوابا ملبسة بالحديد، ثم بنى فيها القصور الشامخات، والأبنية الرفيعة، وغرس فيها الغرس البديعة، وجلبت اليها المياه المنيعة، ومن قصورها مجلس الكافور وحجرة التاج ومجلس الريحان وحجرة الفضة وقصر الخلافة. ويذكر أنّه كان يدخل احد أبوابها كلّ يوم ستّة وعشرون ألف درهم. و كان سماط سوق القيروان قبل نقله إلى المنصورية متّصلا من القبلة إلى الجوف، و طوله من باب أبي الربيع إلى الجامع ميلان غير ثلث و من الجامع إلى باب تونس ثلثا ميل، وكان سطحا متّصلا فيه جميع المتاجر والصناعات، و كان أمر بترتيبه هكذا هشام بن عبد الملك.
وعندما توفي المنصور سنة 341هـ /‏‏ 952م، دفن في قصره بالمنصورية، ثم قام بالأمر بعده ابنه وولي عهده المعز لدين الله فسار على نسق أبيه وأصبحت المنصورية في عهده كعبة العلماء، والطلاب، والمستجيبين، والدعاة بعد أن نقل إليها أسواق القيروان كلها، وجميع الصناعات، ويذكر أنه كان فيها أيام عمارتها ثلاثمائة حمام أكثرها للديار وباقيها مبرز للناس كافة.
كان المعز لدين الله كلفا بالعمارة فبنى كثيرا من القصور، وأنشأ البساتين وأجرى مياه العيون في حاضرة ملكه. ومن القصور التي بناها قصر الإيوان والمعزية. وبنى قناطر ساق الماء عليها، وقصره المعروف بالبحر، وقد ارتاد موضعه وقاس أبعاده ووضع تصميمه بنفسه وأنشأ في وسطه بركة كبيرة أسماها بحرا لاتساع سطحها.
وقد أقام المعز الجسور لتصل القصر الداخلي بالقصر الخارجي، وأنشأ البساتين الغناء في المنصورية وضواحيها، ومن هذه البساتين ذلك البستان الذي أقامه في جهة تعرف «بواد القصارين» على مقربة من المنصورية، وأجرى فيه النهر حتى أينع بأصناف الشجر والرياحين والخضر والنوار وصار أحسن بستان رآه الناس.
تناولت عديد المصادر والمراجع الحديث عن سبب تسمية الموقع. البعض يطلق عليه اسم المنصورية والآخر صبرة وثالث يجمع بين هذه وتلك. القاضي النعمان الذي ولاّه المنصور بن القائم قضاء مدن المنصورية والمهدية والقيروان فلا يذكر في كتابه «المجالس والمسايرات» إلا المنصورية ولم يتعرّض مرة واحدة لذكر صبرة وكذلك الشأن بالنسبة الى المقريزي في «اتعاظ الحنفاء» والقضاعي في «الحلة السيراء» بينما المقدسي في كتابه «أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم» لا يتحدث بدوره الا عن صبرة ولا يذكر المنصورية فيقول مثلا: «وصبرة بناها الفاطمي أول ما ملك الإقليم واشتق اسمها من صبر عسكره في الحرب»، ويقول أيضا: «وأما افريقية فقصبتها القيروان ومن مدنها صبرة»، ويذهب مذهبه الإدريسي.
ولقد لعبت صبرة المنصورية دورا كبيرا وساهمت في تطور الفنون العربية الإسلامية رغم الفترة القصيرة من حياتها مما جعلها تؤلف لنا صورة عن نشأة الفن الفاطمي الإفريقي قبل رحيله إلى الشرق وتجعل منه نموذجا آخر للإبداع وتشهد بالمقدرة والكفاءة للفنان والصانع الإفريقي كلما سنحت الفرصة بذلك وتهيأت الأسباب المادية والمعنوية..
دمرت «القيروان» و«المنصورية» بأوامر «المعز بن باديس» (عام 449هـ) ، كي لا يبقى فيهما ما يطمع قبائل الأعراب بهما، فيسلم هو وجنوده.

يونيو 19, 2016

Facebook Comments

إنستغرام

تويتر

Ugg Women Boots Cheap UGG boots snowing uggs moncler down jackets moncler women moncler jacket uk
Ugg Boots 5825 ugg outlet ugg mini boots moncler jackets for men doudoune moncler cheap moncler coats